لماذا المُستحنِك؟

مشاهدة متابعين الأنمي من زاوية بعيدة يتناقشون هي تجربة غريبة فعلاً. شخصيّاً لم أستطع الاتّصال مع أي مجموعة من المُتابعين. فانز السلاسل الطويلة أو المتابعين الجُدد أو القُدامى أو حتّى النقّاد. أواجه مشاكل شديدة مع الطُرق الأساسيّة الّتي يتعاملون فيها مع الميديا ومعاييرهم العامّة. ربّما ينم هذا عن نقص بالوعي الذّاتي لديهم أو لدي.

لهذا كانت تجربة غريبة قليلاً، بل سرياليّة حتّى، عندما تمّ وصفي بالـ “محّنك” على تويتر بعد فترة من البدء بالتّعبير عن آرائي عليه. استخدام الكلمة لم يكن تهجّمي أو ما شابه بل كان مدحاً. لكن عندما أنظر لفئة المُتابعين الّذين يصنّفون أنفسهم بالمُحنّكين فأعاني فعلاً في الارتباط معهم.

الحِنكة هي مصلح يعني الـ Elitism بالانكليزيّة. في الميديا تصف هذه الكلمة طريقة تفكير أشخاص يعتقدون أنّ ذوقهم الشخصي وآراءهم تمتلك قيمة جوهريّة أعلى من قيمة آراء المتابعين الكاجوالز أو الجُدد على هذا المجال. هذه الفكرة في جوهرها تعتمد على أنّك تحتاج ان تُدرّب نفسك على إبقاء تجربتك الشخصيّة خلال المشاهدة في سرداب والبحث المفصّل عن عناصر تعتبرها موضوعيّة وبعيدة عن تجربتك العاطفية لتقدر على الحكم على عمل معيّن. عندها يمكنك توليد رأي أعلى جوهريّاً من آراء المُتابعين الجُدد الذّي يمتلك تبريرات مليئة بالتضارب.

بالطبع كحالة أي ظاهرة تحوّل الموضوع إلى تنميط هائل في الميديا ذاتها وفي مجتمع المتابعين. لذلك سترى ربط بين بعض الأعمال وفئة المتابعين هذه مثل أسطورة أبطال المجرّة أو الفتاة الثوريّة أوتينا. كذلك ستجد وصف المحنّكين مستخدم للأشخاص الّذين يتكلّمون بشكل مفصّل ومطوّل مع كلمات معقّدة عن لماذا كان عمل ما جيّداً أو لا. بالطّبع كلّه يبقى مفهوماً ولو أنّه مؤسف قليلاً.

بالنسبة لي، ما أراه اتّجاه بعض المتابعين من هذه الفئة هو سوء فهم لهدف الفن من أساسه. وهو موضوع سأتطرّق له بالتأكيد في المستقبل عندما أشعر أنّني مستعد للتكلّم عنه. بالمجمل لا أؤمن بموضوعية الفن الكاملة أو القدرة على اشتقاق قيمة تنطبق على الجميع منه. ما أراه هو أقرب إلى توجّهات تحاول استهداف مجموعة متابعين. عدم قدرة المتابعين الجدد على تبرير آرائهم لا تجعل رأيهم أدنى جوهريّاً بس قدرتهم على تبريره هي السّيئة.

لهذا كنت مُتعجّباً بعض الشّيء بأن ما يراه بعض من يقرأ آرائي هو أنّي محنّك. بالطبع السبب يعود إلى ما لمّحت إليه سابقاً بأن التنميط للكلمة تحوّل إلى شخص يتكلّم بشكل مطوّل عن أعمال ترفيهيّة. لكنّ هذا مختلف بشكل كبير عن أساس الكلمة وهدفها وهناك العديد من الأسباب خلف الكتابة بشكل مطوّل أو تقديم أفكار معقّد قليلاً. لهذا أحس بالانفصال بشكل كبير مع هذا الجمهور.

في الوقت ذاته نظرة المتابعين الكاجوالز أو الجدد لهذه النوعية من الاهتمام بالاعمال الترفيهية عادة ما تكون مع استنكار كبير باعتبار هذه الأعمال مجرد شيء لتضييع الوقت وترفيه بسيط. العديد من المؤلّفين ينظرون للميديا كذلك بالنظرة ذاتها فلماذا عليهم محاولة التفكير بشكل مطوّل بالعمل ذاته، خصوصاً أنّ في حالة الأنمي معظم الأعمال مقتبسة من مانغات مع إصدار اسبوعي لا تترك للمؤلف فرصة للتفكير بما يقوم به أساساً.

النظرة السابقة مفهومة كذلك لكنّ المشكلة في عدم قبول أي نظرة مختلفة للعمل وإنكار وجود أثر غير واعي من العمل عليك كمتابع. بالتالي إنكار أهمية بعض الجوانب مثل الجانب البصري على قيمة العمل ذاته وهكذا. هنا أشعر كذلك بالانفصال بشكلٍ كبير عن هذه الفئة كذلك.

أين يتركني هذا؟ حسناً وجدت ذلك المصطلح المُضحك بنظري خلال النقاشات المطوّل وهو ما يدعى بالـ “مُستحنِك”، الشخص الّذي يحاول أن يكون محنّكاً وينضم للمنظّمة السريّة ولكن يفشل في هذا لسببٍ أو آخر. من الواضح أن هذه الكلمة نشأت في خضم النقاشات المجرّدة عن معنى الحِنكة وما شابه ولا يسعنى سوى الضحك عليها وتخيّل طبيعة النّقاش في ذاك الموقف.

لذلك مع شعوري بالانفصال مع معظم هذه الفئات من المتابعين وحبّي الشديد للسخرية قررت استخدام كلمة “المُستحنِك” كعنوان للمدوّنة. بالطبع هو ليس الاستخدام المعهود للكلمة وهو اسم قابل للتغيير لكنّه سيكون اختباراً جيّداً في بداية المدونة للمتابعين.

أنصح كذلك بقراءة هذه الصّفحة عن المدوّنة وهدفها.

Leave a Reply

Physical Address

304 North Cardinal St.
Dorchester Center, MA 02124